سهيلة عبد الباعث الترجمان

505

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وإن عقلنا فعنه ، وإن فكرنا ففيه ، وإن علمنا فإياه . . . " « 1 » فالقلب والحالة هذه مركز العلم الإلهي الذي قد يغيب عن أهل الظاهر إدراكه لقصور الفهم عن معرفة ذلك فهو وإن جعل للعقل دورا في المعرفة ، إنما مردّ ذلك إلى القلب مصدر هذه المعرفة ، فيرى أن " كثيرا ما تهبّ في قلوب العارفين نفحات إلهية ، فإن نطقوا بها جهّلهم أهل العقل وردّها عليهم أصحاب الدلالة من أهل الظاهر ، وغاب عن هؤلاء أنه تعالى كما أعطى أولياءه الكرامات التي هي فرع المعجزات ، فلا بدع أن تنطق ألسنتهم بعبارات تعجز العلماء عن فهمها « 2 » ولهذا نهى عن تكذيب القوم بما جاءوا به إذ القلب موضع الإيمان بالأمر فقال : من لم يقم بقلبه تصديق ما يسمعه من كلام القوم فلا يجالسهم ، فإن مجالستهم بغير تصديق سمّ قاتل « 3 » . ولكن ما قيمة العقل في هذا العلم ؟ هل للعقل دور في إدراك المعرفة الإلهية والإحاطة بها ؟ لم يهمل ابن عربي البحث في الأمور العقلية ودور العقل في تلقي المعرفة إذ أنه قسم المعارف إلى حسية محضة ، وفكرية تستعين بالحس ، وعقلية دنيا تعتمد على الفكر ، وعقلية عليا تعتمد البداهة والحدس دون أية حاجة إلى القوى الدنيا ، إذ أنه يتعذّر على القوى الدنيا الوصول إلى معرفة اللّه في حين أن العقل الأعلى يدرك ذلك ، أي ما هو فوق طور العقل العادي وفي هذا يقول : " إن الإنسان إنما يدرك المعارف كلها بإحدى القوى الخمس الحسية . . . وهكذا سائر المعرفة به فلم نعلمه إلّا من طريق الحس . وأما القوى الخيالية فإنها لا تضبط إلّا ما أعطاها الحس إما على صورة ما أعطاها الحس ، وإما على صورة ما أعطاه الفكر في حمله بعض المحسوسات على بعض ، . . . وأما القوة المفكرة فلا يفكر الإنسان بها أبدا إلّا في أشياء موجودة عنده تلقّاها من جهة الحواس وأوائل العقل . . . ولكن مما هو عقل محض إنما حدّه أن يعقل ويضبط ما حصل عنده ، فقد يهبه الحق المعرفة فيعقلها لأنه عقل لا من طريق الفكر ، وهذا ما لا نمنعه ، فإن هذه المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن يشاء من عبادة لا يستقل العقل

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 586 . ( 2 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، ص 198 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 198 .